فخر الدين الرازي
448
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فَإِخْوانُكُمْ [ البقرة : 220 ] فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعاً عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضاً قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [ الإسراء : 85 ] وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثاً أو قديماً ، فكذا هاهنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها . والقول الثاني : أن قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ أي من الأنفال ، والمراد من هذا السؤال : الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول اللَّه أعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة . وقرأ عبد اللَّه ( يسألونك الأنفال ) . والبحث الخامس : وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول : إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يدل على ذلك . إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً ؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها . أما الأول : ففيه وجوه : أحدها : صَلَّى اللّه عليه وسلّم قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضاً ، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد . فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ، وأما الخمسة من الأنصار ، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب : رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم لهم في تلك الغنائم بسهم ، فوقع من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، وثانيها : روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم في المصاف ، فقال الشبان : الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا ، وقال الأشياخ : كنا ردءا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . وثالثها : قال الزجاج : الأنفال الغنائم . وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم ، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم اللَّه تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقاً بالمنازعة والمخاصمة . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئاً سوى الغنائم ، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضاً وجوه : أحدها : قال ابن عباس في بعض الروايات : المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال ، من دابة أو عبد أو متاع ، فهو إلى النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم يضعه حيث يشاء ، وثانيها : الأنفال الخمس الذي يجعله اللَّه لأهل الخمس ، وهو قول مجاهد ، قال : فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية ، وثالثها :